5 سور قرآنية ستغير نظرتك للحياة كليا

في المقالات السابقة تحدثنا عن الترابط بين سور القرآن وتطرقنا إلى سورة الفاتحة ورسالتها وحاولنا إبراز هويتها. وبعد ذلك علاقة سورة البقرة بها وقصة بقرة بني اسرائيل. في هذا المقال سنرى الترابط بين عدة سور قرآنية ورسائل وهويتها وروح كل واحدة منها لنقرأ القرآن كما لم نقرأه من قبل.

بداية يجب القول أن سورة آل عمران هي ثالث سور القران الكريم وفضلها عظيم فسماها النبي صلى الله عليه وسلم مع سورة البقرة بـ”الزهراوين” وتآتيان يوم القيامة كغماماتان تضلان قارئهما وتشهدان له يوم الحشر.

عدد آيات سورة آل عمران 200 نزلت بالمدينة المنورة بين غزوتي بدر وأحد، أي بعد اكتمال تشكل مجتمع الحق والمجتمع النموذجي من بشر مثلنا كانوا في الجاهلية لا يعرفون شيئا وفي حروب طاحنة بينهم إلى أفضل نموذج للمجتمع البشري المتبع للحق حقا والسعيد المتوزان بمنهج الله في كل مجالات الحياة بعد 13 سنة من نزول القرآن والدعوة إلى الله بالحق وهو أفضل نموذج حياتي وصلته البشرية وهو مجتمع المدينة المنورة.

أوضحت السورة الطريق إلى ذلك سورة البقرة ولكن الاكتمال والوصول القمة مرحلة صعبة ولكن ليست مستحيلة والأصعب منها الاستقرار والثبات على الحق والصراط المستقيم بعد بلوغه.

وهو ما تشرحه سورة آل عمران، التي تتناول الثبات على الحق والصراط المستقيم فالحياة مسار طويل يجب الثبات فيه كله على الطريق المستقيم بعد معرفته في (الفاتحة) وبلوغه واتباعه في (البقرة) يجب الثبات عليه والدعوة له إلى يوم لقاء الله في (آل عمران).

الثبات على الحق في سورة آل عمران

كل سور القرآن تذكر وتشرح وتركز على الحقيقة الأولى والأساسية في الحياة السعيدة هي التوحيد وإن كانت سبع سور قرآنية وهي السور الطوال تركز أكثر وتشرح أكثر الحق=التوحيد باعتباره عماد الحياة بمعرفته اتباعه والثبات عليه رغم كل المؤثرات الداخلية (النفس البشرية بشهواتها) وخارجيا لمشكلات الإنسانية للمجتمعات وشبهاتها على اختلاف الثقافات والشرائع.

وهذا ما شرحته آيات سورة آل عمران فبدأت الآيات الأولى بالتذكير والتركيز على حقيقة التوحيد ثم شرحت الثبات عليه من خلال جزأين: الآول الثبات على الحق خارجيا في عالم مختلط الأفكار والتوجهات فشرحت قصة اليهود وفكرتهم سبل مواجهتهم ثم قصة النصارى وفكرتهم وسبيل مواجهتم بتفصيل قصة “مريم” وابنها عيسى عليه السلام.

وإن كنا جميع من جد واحد هو ابراهيم عليه السلام إلا أن ابراهيم عليه السلام أوصى أبناءه ومن بعده يعقوب وأبنائه جميعا باتباع دين واحد وهو الإسلام فالدين عند الله واحد هو الإسلام أما البقية هي شرائع وطرق لعبادة الله حرفت كلها.

“إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)”

أما الجزء الثاني من السورة فيشرح كيفية الثبات داخليا مع نفسك على الطريق المستقيم فحتي كخير أمة أخرجت للناس ورغم أنك على الحق إلا أن هناك ابتلاءات وتحديات في الطريق فيثبت من مؤمنا يقينا بأنه على الحق والطريق المستقيم للحياة السعيدة أبديا إلى الله وبالله وفي كل الحالات فتاريخيا نزلت “ال عمران” بين مرحلتين مرحلة قوة ونصر غزوة بدر ومرحلة ضعف وهزيمة غزوة أحد وأوضحت “آل عمران” طريق الثبات في كلا المرحلتين على الحق والصراط المستقيم.

الرحمة، العدل واتباع الحق في سورة النساء

بعد معرفة الإنسان للحق والطريق المستقيم للسعادة الأبدية والثبات عليه في سور قرآنية وهي الفاتحة والبقرة وآل عمران، سيعم نور الحق الفرد إلى أسرة و مجتمع قوي سعيد بالحق والعدل والرحمة وقوانين والمعادلات الناجحة لبناء الآسرة والمجتمع السعيد القوي بالحق والعدل والرحمة في سورة النساء.

وبدأ سبحانه بالضعفاء في الأسرة والمجتمع فهم معيار سعادة وتوازن ونجاح الآسر والمجتمعات بمدى حفظ حقوقهم وأسعادهم وإقامة العدل والرحمة.

فبعدما ذكرت سورة ال عمران وسائل الثبات أمام مؤثرات داخلية للنفس وخارجية من المجتمع على الفرد ليثبت الانسان المسلم بالحق قويا سعيدا طول طريق المستقيم إلى لقاء ربه بقلب سليم رغم كل التحديات والمؤثرات الداخلية والخارجية وبعد بناء الفرد المسلم القوي السعيد بالحق في سور الفاتحة والبقرة وآل عمران، نور الفرد يعم لأسرته ولبناء هذه الأسرة الثابتة السعيدة بالحق كما صنع الانسان المسلم قويا سعيدا ثابتا بالحق، ركزت “سورة النساء” على الضعفاء في الأسرة والمجتمع وإحكام العلاقات الانسانية التي يحكمها التصور الاسلامي بثلاث مبادئ أساسية وهي: الرحمة والعدل واتباع الحق.

الوفاء بالعهود والعقود في سورة المائدة

وعلى هذا الأ ساس سيتفاعل الأفراد داخل الأسرة الواحدة والأسر داخل المجتمع المسلم وهذا ما ضبطته سورة النساء من أحكام الزواج وميلاد الأسرة إلى أحكام ما بعد الموت والميراث بالاضافة إلى أحكام مجتمع المسلم الذي فصلت فيها سورة المائدة. وتعدتها إلى تعاملات المجتمع المسلم مع غير المسلم والفرد المسلم مع غير المسلم في التجارة وغيرها من المعاملات التي يجب أن تحكم بالعهود والعقود.

لهذا ركزت سورة المائدة علي الوفاء بالعهود والعقود بدءا بأول عهد للانسان مع ربه وهو التوحيد وحق عبادته لنيل رحمته و رضاه مصدر كل سعادة وخير.

دعوة غير المسلمين للحق في سورة الأنعام

سورة الأنعام مرتبطة بما سبق من سور قرآنية ومتممة للصراط المستقيم للانسان فردا ومجتمعا هذا المجتمع الذي يكبر ويتعامل مع مجتمعات غير مسلمة في ظل سنة الله “وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” فحق و واجب ونور الانسان المسلم فردا ومجتمعا الذي صنع بهداية الله من خلال القرآن وتطبيق النبى صلى الله عليه وسلم أن يوصله لغيره من المسلمين الذين يتعامل معهم.

بعد أن أوضحت وضبطت سورة المائدة طرق التعامل مع الأفراد والمجتمعات غير المسلمين لحفظ حقوق الجميع بالوفاء بالعهود والعقود دعت سورة الأنعام لضرورة دعوة المسلم فردا ومجتمعا غيره من المسملين للحق الذي عرفه وإقامة الحج بالدليل والبرهان الموجود في الكون وكل الأنعام.

تسافر بنا سورة الأنعام بسر الحياة وهو التوحيد في كل مظاهر الحياة والكون وكيف يتجلى ذلك من السماوات والأرض وعبر التاريخ حيث حاج ابراهيم أباه الذي لم يكن موحدا وقومه بالدليل والبرهان المنطقي والعلمي في الكون وفي أنفسهم فهي طريقة محاججة ودعوة غير المسملين وتأكيد حقيقة ومعادلة الحياة بين رحمة الله عزوجل التي سبقت كل أمر وضرورة توحيده وحق عبادته لنيلها دنيا ووآخرة كما في الآية “فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة…” ثم “إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين”.

وتركز السورة في عشرات الآيات على ضرورة التوحيد وأن الدين عند الله الاسلام وتشرح لهم بالدليل والبرهان في الكون والأنعام وفي أنفسهم لعلهم يعقلون ويرشدون.

الصراع بين الحق والباطل في سورة الأعراف

بعد ما سبق من سور قرآنية نجد بداية سورة الأعراف التي يحسم بها الصراع بين الحق والباطل في حال لم يأخذ أهل الباطل بالحق المبين لهم بالحجة والبرهان في سورة الأنعام العلمي والكوني سيحسم الصراع بشواهد من التاريخ ومواثيق البشرية بالتوحيد وحقائق بحال الانسان من خلقه إلى اليوم وحقيقة هذا الصراع بين الحق والباطل وكيف يحسم.

لكن قبل حسم الصراع بين الحق والباطل جاءت الآيات العشر الأولى بخطاب مباشر للرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه واتبع الحق ودعا إليه بهذه الايات الواضحة الصريحة “آلمص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ”.

القاعدة الأولى أو التحذير الأول بعد ظهور الحق: فلا يكن في صدرك حرج من الحق (و لاتهنوا وأنتم الأعلون). القاعدة الثانية، احذر في خضم الصراع أن تتبع مادونه وغيره. ولأن الهداية أولا وآخرا من الله رغم ضرورة الأخذ بأسبابها والدعوة إليها بالقران والتدبر في الكون وهو لغة العقل لمعرفة الحق تحسم سورة الأعراف الصراع بين الحق الباطل، إن ظلم وطغي أهل الباطل به مصالح شخصية رغم ظهوره بالتدبر في الكون.

الكاتب: زين بن نبي

المصادر: تفسير الطبري، أيسر التفاسير، تفسير السعدي، تفسير الشيخ ابن باديس “مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير”.

إقرأ أيضا: رسائل عليك الانتباه لها في القرآن الكريم

 

شارِكنا رأيك بتعليق!

(التعليقات)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock