رسالة مؤثرة كتبتها طالبة جزائرية عن الأستاذ الذي ألهمها

سليمة عذاوري، جزائرية، درسها الكاتب واسيني الأعرج في ليسانس، ماجستير والدكتوراه. وكانت ظروفها المادية صعبة، جعلتها تعمل وتدرس في نفس الوقت. نجحت وأصبحت أستاذة محاضرة.

عندما تعرض أستاذها لنوبة قلبية سنة 2008، كتبت رسالة مؤثرة له، نشرت في جريدة الخبر تتحدث فيها بأول مرة كيف ألهمها هذا الكاتب ومواقفه الانسانية معها ومع الطلبة. سليمة عذاوري، توفيت سنة 2018، أي بعد 10 سنوات من كتابة الرسالة. وهذا نصها:

كيف يمكن لرجل أن يتواجد في كل مكان؟ (رسالة إلى واسيني في مستشفى كوشان سان-فانسون/ باريس)

ربّما يتساءل الكثيرون: كيف يمكن لرجًل أن يتواجد في كلّ مكان، أن يدرّس في الجامعة المركزية، وفي السّوربون أيضا، أن يكتب روايات طويلة النّفس، أن يحصل على الجوائز الكثيرة، أن يتعامل مع الصّحف العربية والأجنبية والتلفزيون و.. و.. و… هل هو جنيّ؟ أم رجل مسحور؟ أو أنه يملك وقتا لا يملكه الآخرون؟

سيكفي جوابا أنّ واسيني ينام الآن في المستشفى بباريس، بكلّ بساطة لأنّ قلبَه قرّر في لحظة أن يتخلّى عنه لفرطِ ما أتعَبَه، وسرق من نبضه الكثير ليمنحه للآخرين. أتساءَل في الغفوات الصّادقة إن كانوا كلّهم، وبالفعل يستحقّون ذلك؟ أجزم أن الكثيرين منهم يتشفّون الآن وينتظرون خبر الموت ليركضوا نحو المقبرة لتأدية واجباتهم الأخيرة، واجب التّخلص من صوت مقلق لراحتهم.

قد يكون كلامي قاسيا، ولكنّه في صلب الحقيقة التي لا تلعب باللّغة وسحر العواطف الخبيئة. كلما رأيت رجلا ذكيّا سلّم أمره للموت، رأيت الغزلان المذبوحة في عيونهم. نبتُوا في ظلمة الضّغينة ولا شيء يغيّرهم، حتى البراكين تتحوّل أمامهم إلى نثار من غبار، وتهرب بعيدا.

ما يزال واسيني يظنّ الخير في كلّ البشر. أليسَ هو صاحب شعار: “كل النّاس طيّبين حتى إشعار آخر”، وهو لا يدري أن الضّغائن تولد معهم في شكل نظرات مريبة، وأحقاد صغيرة تكاد لا تُرى، وحسد غير مبرّر، وغيرات شديدة لكل ما لا يشبههم قبل أن يتحوّل ذلك إلى قنبلة موقوتة في دواخلهم.

واسيني.. رجل يأتي إلى الجامعة المركزية، كل صباح بعينين منكسرتين، وجسد يحاول أن يجعله نشيطا وحيويّا. ينزل من السّيارة قبل أن تدبّ الحياة في الجامعة، لأنّه استيقظ باكرا؟ ما معنى ذلك إذا كان أصلا لا ينام مثل باقي البشر؟ يكتفي بساعات قليلة يسرقها من نهايات اللّيل، وبدايات الفجر قبل أن يقف وراء لوحة خشبيّة طيّبة ما تزال بها رائحة الزّيتون الّذي صُنعت منه ويكتبُ عن كلّ ما يملأ قلبه. نصف حياته مرهون لشخصيّات يصنعها من البنفسج، وورق الحلفاء، وعطر المواسم، ثم يصدّق أنها موجودة، فيحبّها، يضعها في قلبه وعينيه، ويخاف عليها، يقول إنّها هشّة ولا نصير لها في الحياة غيره. ثمّ يحكي عنها طويلا، عن مشقّة العيش، وعن تفاصيل حياتها الدّقيقة كما يفعل أجداده الأندلسيّون عندما يجلسون وراء برّاد الشاي ويبدؤون سرد الخفايا وقصص العشّاق. جدّه الذي شقّ البحر إلى نصفين كسيّدنا موسى، ومشى على الماء من ألْمٍيريا حتى سيدي يوشع، كان يفعل ذلك بحماس. تماما كمنْ كذب كذبة جميلة اسْتلذّها العابرون، فصدّقها بلا تردّد.

أراه الآن بشموخ العابر نحو الجنة. يأتي صباحا حتى حين لا يكون مربطا بالتّدريس، لأنّ الجامعة محطّة ضروريّة ويوميّة تشبه الأكل والنّوم، ومقهى نشأت فيه أجمل الأحاديث وأكثرها صدْقا. يبدأ يومه بلا مواعيد، ولا قرارات معيّنة، ولكنّه لا ينهِيه إلا بعد أن ينصرف الجميع، لأنه سيجد دائما من يحتاج إليه، وهو لا يستطيع أن يصمّ أذنيْهِ ويدير ظهره. أمه الطّيبة، المليئة بالأشواق الدّفينة، التي لم تشبع من وجهه، لم تعلّمه كيف يدير ظهره. ولذلك اكتَسَبَ احترام الجميع حتى لا نقول حبّهم، لأن للقلوب أسرارها، وأسبابها حين يتعلّق الأمر بالحب والكراهية. كانت علاقته بالآخرين استثنائيّة. الجميع يشهد له على ذلك. لم ير أبدا في طلبته ولا في درسِه كشفا مرتبا في نهاية الشهر، بلا علاقة حميمة واندماجا كليا.

واسيني الذي يأتي إليه الطلبة ممتلئين بحقدهم الذي نبت في الزّوايا من أحاديث أنصاف الأصدقاء الذين يبتسمون في الوجه، ويطعنون في الظّهر، كما كان يعلِّم الناس أن يحبّوا كلّ ما يقومون به، ويتجاوز بروح سخيّة كلّ ما يقال ضدّه، ويتصرّف مع الجميع بالتّساوي، حتى حين يعرف أن الخديعة موجودة خلف الوجوه المبتسمة.

لن أجعل منه ملاكا، ولكنه ليس شيطانا، رقدته في المستشفى، وقلبه الذي قد يتوقف في أية لحظة، يحتاج إلى وقفة أمام إنسانيته ومحبّته، كيف؟ حين يطلب من طالبته أن تكمل رسالتها، ويرجوها أن تفعل ذلك بسرعة لأنه لا خيار لها كامرأة سوى أن تنجح في مجتمع ذكوريّ اختلت فيه كلّ الموازين، ما غايتُه يا ترى؟ أصحاب النّوايا الحسنة سيقولون فعل خير. الآخرون، القتلة المتخفّون، والحاقدون المرضى، سيقولون إنّ شيئا غريبا في الأمر مُبَطّنٌ داخل هذا الرّجاء. معذورون، لأنهم تعوّدوا على التّفكير بنصفهم السّفليّ، الذي يتباهى ويتفاخر بالهزائم المتتالية، ويُخبِّئُها في الفراش الذي سرعان ما يفضحه.

كنت طالبة تعملُ عملا بسيطا لا يوفّرُ لها إلا مصروف المواصلات وتصوير الكتب. كان يأخذ منها كلّ الوقت الذي يمكن أن تكملَ فيه رسالتها. متأزمة نفسيا كانت، لأنها تشعر بضيق الوقت الذي يفرض عليها قانونيا المناقشة. فيطلُب منها أن تتوقف عن العمل مقابل أن يدفع لها راتِبها الشهري لمدّة معينة إلى أن تنتهي من بحثها. تستغربون؟ لقد حدث هذا هنا، في جامعتنا الموقرة، وفي بلدنا الذي يتقاتل فيه النّاس على البطاطا، والبصل، وينسون أن الإنسان ليس معدة ولكن رأسا بفكّر أيضا.

ما الذي سيستفيد منه أستاذ وكاتِب كبير، يرى طالبته تنجح؟ لقد ناقشت الطّالبة رسالتها (الماجستير)، وتحصّلت على علامة جيّدة، وأصبحت أستاذة، وعاد إليها بريق عينيها وثقتها في نفسِها. لم تكن جميلة بالقدر الذي يهزّ العابرين أمامها، ولم تكن غنيّة حتى نتّهمه، ولم تكن مُتسَيِّبَةً حتّى نتهمها. كانت طالبة، ولم يكن أكثر من أستاذ. عفوا كان أكثر من ذلِك. كان إنسانًا.

هل سأحكي أيضا، وأفضح أسرارا أعرِفها؟ عن طالِبه المسكين – وكل الطلبة مساكين- الذي لم يكن يملك ثمن الانتقال من مدينته إلى الجامعة، ولم يكن يملِك ثمن العصير الذي يقدّمه للحضورِ بعد مناقشة الماجستير. لم يشتكِ الطّالِب يومًا، ولكن واسيني كان يحسّ بآلامِنا الصّغيرة ومآزِقنَا. لم يقل شيئا، أعطى لإحدى الطّالبات مبلغًا ماليّا كبيرا، وطلب منها أن يُقام للطّالِب الاحتفال الذي يليق به ويجعله سعيدًا. وألحَّ ألاّ يعرف طالِبُه شيئا عن مصدر المال. ماذا أقول؟ هل كان واجبًا ما يفعلُه مع طلبتِه ومع كلّ النّاس؟ أبدا. لماذا لم يفعل الآخرون مثله؟

هو ذا يدفع اليوم ثمنًا غاليا، في عزلة لا شيء فيها إلا ابتساماته التي تنكسر على بياض المستشفى، والأطبّاء الذي يتوقّفون عند رأسه قليلا، يطمئنّون، ثمّ يمضون نحو مريض آخر.
أعرف الآن ما يقوله واسيني دائما، بدون أن يدري أنه سيكون أول ضحايا كلامه: الحبّ قد يقتل أحيانًا.

هو الآن ينام في المستشفى الباريسي لأن قلبه لم يتحمّل قانون حياته الغريب. عليه أن يُشفَى ليس من أجل عائلته الصّغيرة التي تقلق عليه فقط، ولا من أجل قرّائه في كلّ أراضي الدّنيا، أولئك الذين يعرفونه ولا يعرِفهم. ولا من أجل طلبته الذين يحزنون من أجله، ولا من أجلِ كتُبِه ومشاريعِه المقبِلة. ليس لكلّ هؤلاء فقط، بل لأنّ الحياة نفسها تحتاج لإنسانيته التي تذيب الصّدأ عن النّفوس، والبرودة التي تسلّلت إلى الأعماق، من أجله هو فقط الذي كان يقول: الحياة ليست هبة فقط، ولكنّها استحقاق أيضا، وهو يستحقّها، لكي نرى ما يخبّئه لنا داخل كتبه القادمة.

يعاني اليوم، ويغيبُ عن الوعي، ويقف على تلك الحافة المخيفة بين الحياة والموت. ولو كلّفنِي، سأطبِّقُ أمنية نيكوس كازانتزاكي، وأشحذ على الأرصفة
بعض العمر من المارة، من هذا ساعة، من ذاك يومًا، من آخر شاب مليء بالحياة، شهرا كامِلا، وعندما أعود في المساء إلى البيت، متأكدة من أني عندما أجمع الثّواني والسّاعات والأيّام والشّهور وربّما السّنوات، سأجد عمرا طيّبا يسمح له بكتابة نصّ آخر، على الأقل.

من أجل هذا الرجل الذي يكفي يوم واحد من حياته، ليملأ حياتنا الفارغة. أكتُب الآن أنا لست شخصا قريبًا ولا مهمّا في حياتِه، فقط لأدعو له بالشّفاء والعودة.

من أجل هذا الرّجل الذي ينام تحت الرّقابة الطّبيّة الصّارمة، وهو الذي سخر دائِمًا من الرّقابة ولَعنَها ورفضَها بعنادٍ شديد، أكتُب وربّما لن يعْرِفنِي أبدا، لأنّ اللواتي تُشبِهنَنِي كثيرات.

اعذاوري سليمة/ جريدة الخبر اليومية/ الإثنين 31 مارس 2008

(الدكتورة سليمة عذاوري توفيت في 23 جويلييه 2018، بالضبط بعد عشر سنوات من كتابة هذه الرسالة. خسارة فادحة.)

المصدر: صفحة الكاتب واسيني الأعرج

شارِكنا رأيك بتعليق!

(التعليقات)

زر الذهاب إلى الأعلى