قرى جزائرية تسير بقوانين الدول المتطورة

تتشابه قرى القبائل من تيزي وزو إلى بجاية، في طبيعتها الخلابة، في المسالك الوعرة المؤدية إليها، في الحياة البسيطة، لكنها تشترك جميعا في لجنة القرية التي تتولى مسؤولية تسيير كل صغيرة وكبيرة داخل القرية، وفق قانون صارم يضمن الحقوق ويحفظ الحريات ولكن أيضا يحدد الواجبات ويفرض العقوبات وكل هذا من أجل هدف واحد هو السير الحسن لشؤون أهل القرية. 

في قرية “ايڤرسافن” وقرية “تاوريرت أعدن” التابعتين لولاية تيزي وزو، وقرية “تازروت” بدائرة أدكار في ولاية بجاية، تكتشف بناء اجتماعيا أكثر تحضرا مما كنت تتخيل، تحكمه وتسيره لجنة القرية استنادا إلى قانون صارم وضع وفقا للأعراف والتقاليد المتعارف عليها في المناسبات والحياة اليومية. هذه القرى وغيرها كثير، تتفق في أبرز القوانين بينما تختلف في بعض الجزئيات الصغيرة.

عن تاريخ لجنة القرية يقولون إنها لجنة صغيرة تتكون من عشرات الرجال من القرية، ويتوقف ذلك على عدد السكان، حيث يتراوح عادة ما بين ألف إلى 7 آلاف ساكن. اللجنة يرأسها أكثر أهل القرية حكمة، والمعروف بمواقفه وأخلاقه الحميدة، تتولى تنظيم أمور القرية وضمان السير الحسن بها، بقوانين داخلية لا علاقة لها بالقانون، ما يجعل القرية تشبه دويلة داخل دولة أكبر.

أجيال متعاقبة وقانون صارم

لا تاريخ يحدد بداية اللجنة تماما مثل القرية، ولكن السكان يؤكدون أنها وجدت قبل الاستعمار. فعن قرية “تازروت” التي تقع على بعد 71 كلم عن ولاية بجاية والتي يبلغ عدد سكانها ألف ساكن، يقول نذير مالك، أستاذ جامعي بجامعة تيزي وزو، وأحد أعضاء اللجنة، إن قاعدة القرية السكانية تعود بنسبة 90٪ لأولاد سيدي محمد الوالي، بمعنى أنها من عائلة واحدة، أما بالنسبة لبقية السكان فإما قدموا إليها عن طريق الميراث الذي حصلوا عليه من جهة الأم، وإما عن طريق السكن للعمل في مدارس المنطقة. 

ويضيف نذير: “القرية موجودة منذ 1842، ويمكن تفسير ظهور اللجنة بأسباب أمنية، ومن أجل مساعدة الناس بعضهم لبعض والحفاظ على النظام والانضباط في الحياة اليومية، وهي تتكون من رؤساء العائلات في القرية”.  ويؤكد محدثنا أن اللجنة لعبت دورا بارزا خلال الثورة، حيث كانت تقوم بتكوين جبهات المجاهدين وتوزيع تعليماتهم على أهل القرية، كما أنها تعمل على أن يكون هناك اتفاق مع القرويين عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الإدارة الاستعمارية.

من جهتهم، يجمع شباب قرى القبائل على أن هذه اللجان كانت موجودة قبل اندلاع الثورة، لكن أثناء اندلاعها تحولت للقيام بمهام ثورية. يقول محند من قرية “تازروت”: “قبل الاستعمار الفرنسي كانت اللجنة موجودة، وتجتمع في مكان اسمه “تاجماعت”، وبعد ذلك قامت الإدارة الفرنسية بمنع تجمعهم فيه فأصبحوا يجتمعون في المساجد”. وكان الفرنسيون يعتقدون أنهم لا يفعلون شيئا داخل المسجد باستثناء الصلاة، بينما كانوا يقومون بالاجتماعات والنقاشات هناك. سكان قرية “تاوريرت أعدن” حدثونا من جهتهم أن رئيس اللجنة المجاهد أورمضان سعد الدين يتولى هذه المهمة منذ 35 سنة، ويقوم بتعليم الشباب كيفية تسيير شؤون القرية.

قرية صغيرة مثل دولة أوروبية

ما فعله الاستعمار بـ”ايڤرسافن” يشبه إلى حد كبير ما فعلته القنبلة الذرية بناغازاكي وهيروشيما، غير أنه وبعد الاستقلال عادت اللجنة إلى مهمتها الأساسية المتمثلة أساسا في البناء والتنمية ككل لجان القرى التي وجدت لهذا السبب، من أجل إعادة إعمار القرية التي نهضت على طريقة المدينتين اليابانيتين، لتتحول إلى دولة ديمقراطية صغيرة مجهزة بالأنترنت وغاز المدن والمياه، ولديها قوانينها الداخلية وأجهزتها ومؤسساتها المتخصصة في البيئة والمحيط والمتحف والكثير من المشاريع المنجزة وأخرى قيد الإنجاز.

القرية التي تمكنت من الفوز بجائزة القرية الأكثر نظافة في تيزي وزو لعام 2014، تعتبر قطبا سياحيا ممتازا لمن يرغب باكتشاف كيف يتم تلقين الرسائل عبر الأجيال المتعاقبة. هذا التلقين الذي يخلق شعورا بالالتزام والواجب تجاه القرية لدى أبنائها، وهنا يعلق أحد سكان “ايڤرسافن” الذين التقينا بهم في متحف القرية: “في القرية عادة لا يوجد نظام الدولة، وهذا ما يتطلب وضع نظام خاص تفرضه خصوصية أناس يعيشون في نفس المحيط لديهم نفس العادات والتقاليد، فنحن لدينا شعور بالمسؤولية تجاه القرية، لنكمل الدرب عرفانا لأجدادنا، مثلا أنا أمثل هنا جدي الذي استشهد خلال الثورة”.

داخل القرية تم فتح متحف صغير بالقرب من مقبرة الشهداء، يضم مجموعة من المجاهدين من أبناء القرية ومجموعة أخرى من الشهداء. بالمقابل، يوجد جزء ثالث في المتحف الصغير يضم المسبلين. وفي انتظار إصدار كتيب حول تاريخ القرية، لا يمكنك ترك المكان قبل التوقيع في الدفتر الذهبي، وكلك حيرة ماذا تكتب عن قرية تنبض بالتاريخ والأصالة والنظام المفرط.

العضوية للأفضل

في القرى القبائلية، ليس من السهل الانخراط في اللجنة أو الظفر بعضويتها، فقد تقدم طلبا وتترشح ويتم رفض عضويتك لأن سلوكك غير لائق، وقد تقوم اللجنة باستدعائك، وكل هذا يتوقف، حسب سكان “تاوريرت أعدن”، على مدى نشاطك في مساعدة الناس، وإثبات جدارتك وقدرتك واستعدادك للعمل التطوعي ومساندة أهل القرية. 

تتكون اللجنة عادة من العشرات من الرجال فقط، حيث لا يسمح للنساء بالانخراط، وعددهم يتفاوت بتفاوت عدد السكان، فاللجنة تتكون من عشرات الأعضاء في “ايڤرسافن” التي يبلغ عدد سكانها في الإحصاءات القديمة 4 آلاف نسمة. هنا يوضح زهير مسعودان بأن أعضاء اللجنة هم أشخاص متطوعون، يعملون عادة في أعمال حرة وليس في الإدارة، حيث يكون مسموحا لهم التنقل والتحرك لقضاء مصالح أهل القرية، أو من الرجال المتقاعدين الذين تسمح لهم صحتهم بالنشاط في اللجنة.

ويجمع أهل القرى على أنه لتكون رئيس لجنة القرية فالمطلوب منك السلامة البدنية والعقلية وأن تكون رجلا حكيما، حيث تظهر أحقيتك في الرئاسة تلقائيا لجميع السكان، ويبقى شرط العمر غير محدد. فمثلا في قرية “تازروت”، يقول نذير مالك إن رئيس اللجنة التي يبلغ عدد أعضائها 12 فردا، عمره 42 سنة. أما فيما يخص التمثيل، فإن كل عائلة في قرية “تاوريرت أعدن” يمثلها فرد في اللجنة.

وفي قرى أخرى، يمثل كل ثلاث عائلات شخص يختارونه بأنفسهم. بهذه الطريقة يقوم الممثلون بنقل انشغالات ممثليهم إلى اللجنة التي تعقد اجتماعات بصفة دورية. ويوضح مسعودان طريقة عقد الاجتماعات: “ينادي المنادي بأن هناك اجتماعا غدا في ساعة محددة، وعند بداية الاجتماع يقوم الرئيس بتسجيل الحضور، وكل من يتغيب يدفع غرامة مالية، وفي نهاية الاجتماع يعيد تسجيل الذين حضروا متأخرين ويدفعون كذلك غرامة التأخر”.

بالمقابل، في قرية “تاوريرت أعدن” فإن لجنة القرية تجتمع كل يوم جمعة لبحث انشغالات أهل القرية، مثل التزود بالماء، الكهرباء، الغاز، النظافة وغيرها، ودراسة كيفية تسوية هذه الملفات بالنظر إلى ميزانية اللجنة وبالتواصل مع السلطات المسؤولية كالبلدية مثلا.

تكون هذه الاجتماعات عادة في مكتب خاص أو في المسجد أو في المكان المسمى “تاجماعت”، حيث تتم دراسة مختلف القضايا والدعاوى التي تخص أهل القرية. فاللجنة لا يتوقف دورها على المشاريع فقط، وإنما تتوغل في الحياة الخاصة للسكان، وتتكفل بحل الخلافات في قضايا الميراث والطلاق وبيع وشراء الأراضي أيضا، كما أنها تتكفل بتسيير الأزمات مثل أزمة الثلوج من خلال إيصال المعونة للسكان وحل العزلة عنهم. وفي هذه الحالات، تقوم لجان القرى باستدعاء الشباب والرجال لمهمات معينة، كما هو الحال في المناسبات، حيث توكل لهم مهمات كمرشد أو مكلف بالأمن أو بمراقبة حركة السير وغيرها.

المغتربون ملزمون بدفع الاشتراكات

تقوم لجان القرى القبائلية بجمع الاشتراك الذي يقوم بدفعه أهل القرية المغتربون في أوروبا أو في أي بلد آخر، بشكل شهري على مستوى ممثلي اللجان في تلك البلدان، ثم يتم تحويل المبالغ المالية إلى القرى من أجل إنجاز المشاريع المحلية. وصرح سكان القرى بأن المغتربين يدفعون اشتراكا شهريا يقدر بحوالي 10 أورو للفرد الواحد، فمثلا مغترب لديه 10 أولاد بفرنسا يدفع عن كل شخص 10 أورو شهريا لممثل اللجنة بفرسنا ثم يتم تحويل المال إلى القرية، نفس الإجراء يقوم به المغتربون في كندا أو في أي بلد آخر. وأكد السكان أن كل المغتربين الذين ينحدرون من هذه القرى يلتزمون بالدفع وبصفة دورية.

هذه القواعد تختلف جزئيا من قرية لأخرى، ففي “تازروت” يقوم كل أفراد القرية بدفع الاشتراك بمن فيهم المغتربون بشكل شهري، غير أن الأمر يتوقف على الظروف، ففي حال وجود مشروع معين يتم جمع المال من أجل إنجازه. وفي المناسبات، تقوم اللجنة بتنظيم “الوعدة” ويقوم الناس بدفع الصدقات، فمثلا في عاشوراء تجمع اللجنة ما يقارب 20 إلى 30 مليونا في قرية “تاوريرت أعدن”، وفي موسم الزكاة يقوم الناس بتقديمها للجنة التي تتكفل بتوزيعها.

وتعمل القرية على توجيه المال الذي يتم جمعه في خزينتها بما يخدم مصلحة القرية وتنميتها وتطويرها، وهو ما جعل الناس تضع الثقة الكاملة في اللجنة. وهنا يؤكد نذير مالك: “هذه العلاقات تبنى على أساس الثقة”. كل الذين سألناهم عن الثقة أجمعوا على أنهم لا يشكون أبدا في التوزيع العادل لأموالهم وحسن تسييرها، مرجعين سبب هذه الثقة التامة إلى الشفافية في التسيير. وهنا يوضح زهير مسعودان: “في إيڤرسافن لدينا محاسب في اللجنة، يقوم نهاية كل سنة بتقديم تقرير سنوي مفصل حول مجموع المداخيل والمصاريف وكيف تم إنفاقها وقيمة المبلغ المتبقي بالخزينة، لا مجال للعب بالمال العام”.

غرامات مالية وعقوبات صارمة

إذا كان جزء كبير من قانون القرى يستند على الأخلاق والعادات والتقاليد، فإنه يفرض أيضا غرامات مالية وعقوبات صارمة على المخالفين، وقد وقفنا على الالتزام الكبير للسكان بالقانون ودفعهم الغرامات المالية المترتبة على المخالفات التي تصل إلى 5 آلاف دينار جزائري. فلجان القرى لديها مهام محددة لا ينبغي اختراقها، خاصة فيما يتعلق بمجموعة من المناسبات والتقاليد الثابتة. فمثلا في حال الجنازة، تتكلف اللجنة بشكل تام بالعزاء، وطبخ وتقديم الطعام وذلك بناء على قائمة معينة من المأكولات وبكميات محددة.

ويتم تطبيقها على جميع الناس بغض النظر عن مستواهم المعيشي ودون أي امتيازات، بعيدا على كل أشكال الطبقية في القرية، وبعد نهاية الجنازة يقوم أهل الميت بتعويض قيمة المصاريف المحددة في القائمة. نفس الشيء في عملية الدفن، حيث تلزم اللجنة بحضور ممثل عن كل عائلة في الدفن وفي حال المخالفة والتغيب تدفع العائلة غرامة ألف دينار في قرية “تاوريرت أعدن”، بينما تقدر الغرامة بألفي دينار في قرى أخرى. 

ولأن لجان القرى لديها مهمة تسوية الخلافات، فإن كل من يقوم بالذهاب للعدالة مباشرة مثلا في حالة الطلاق قبل المرور باللجنة أو التي تسمى بالقبائلية “طوامن تادارت” يدفع غرامة مالية تقدر بـ5 آلاف دينار بقرية “تازرت” وتبقى قيمة هذه الغرامات متفاوتة من قرية لأخرى، إلا أنها عامة في جميع القرى. ويقول محند من “تازروت” إن القرية تعلن عن عملية مثلا لتصليح قنوات الصرف الصحي، فإن كل الشباب الذين يفوق عمرهم 18 سنة ملزمون بالمشاركة وفي حال المخالفة يقومون بدفع غرامة 500 دج. داخل القرية، تقوم اللجان بوضع قانون مرور خاص داخلها، وتفرض غرامات صارمة على من يخالفه. وفي الأخلاق أيضا، فإن عدم احترام رجل كبير يفرض غرامة مالية على المخالف.

زهير مسعودان، عضو لجنة “ايڤرسافن”، يروي لـنا أن اللجنة كانت موجودة قبل الثورة، وبعد الثورة أعادت تفعيل دورها والعمل على بناء القرية من جديد، مستشهدا: “تعرضت القرية التي تسمى اليوم قرية 99 شهيدا، للقصف من قبل الاستعمار الفرنسي الذي أدى إلى دمارها على الآخر في 4 ديسمبر 1957، لأنها قاومت الاستعمار وجاهدت بكل ما تملك من قوة”.

التزام بالقوانين

الغرامات المالية التي تعتبر في حد ذاتها وسيلة لإقرار النظام ومداخيل للجان، ليست وحدها العقوبة التي تهدد المخالفين، وإنما هناك بعض المخالفات التي قد تستدعي تجمع اللجنة وتوقيعها على بيان من أجل إقصاء شخص معين نهائيا من القرية.

على سبيل المثال، في قرية “تاوريرت أعدن”، في حال تعرض شاب إلى فتاة، يقع على عاتقه دفع غرامة مالية وإذا لم يمتثل لأوامر اللجنة، فإنه يقصى من القرية نهائيا ويمنع من دخولها مجددا.  كما تعتمد القرى على إقصاء المخالفين من امتيازات القرية، فمثلا بالنسبة للمغتربين الذين يدفعون الاشتراك، فإن اللجنة هي التي تتكفل في حال وفاة أحدهم في المهجر بدفنه في القرية ودفع التكاليف الباهظة لإعادته للوطن. وهنا يوضح زهير من “إيڤرسافن”: “يكفي أن يقدم صاحب الميت جواز السفر للجنة وهي تكمل كامل الإجراءات إلى غاية الدفن”.

مقابل هذا، يتم إقصاء من لم يلتزم بالدفع من هذا الامتياز، وفقا لمبدأ: “لا تساعد الآخرين لا نساعدك”. وتقول إحدى الفتيات التي التقينا بها: “جدي كان يدفع الاشتراك، توفي في فرنسا فتكفلت اللجنة بإحضاره إلى “تاوريرت أعدن” ودفنه، والآن جدتي في فرنسا وهي تدفع الاشتراك شهريا أيضا”.  عقوبات أخرى تهدد المخالفين في قرية “تازروت” ببجاية، حيث أكد لنا محند مرة أخرى: “في حال خالف أحدهم هذه القوانين تقوم القرية بعزله، لا أحد يتحدث معه ولا أحد يحضر حفلاته أو عزاء في بيته، كما  يمنع من الشراء داخل محلات القرية ومن الصعب أن يصبر شخص على هذا الوضع أسبوعا واحدا”.

من جهته، يقول نذير مالك: “نحن لا نطبق هذه القوانين بالقوة ولا بالشرطة ولكن من دونها تصبح الحياة في القرية بلا معنى، فهي عموما تنظيم الحياة المشتركة وتحارب الإهانات، وحتى اليوم مازالت المشروبات الكحولية ممنوعة داخل قرية “تازروت” ببجاية والسكان ملتزمون بالقانون”. قبل مغادرتنا لجبال تيزي وزو التقينا بشابة قضت 20 سنة في قرية “تاوريرت أعدن”، قبل أن ترحل منها، فعبرت: “هناك فرق كبير بين قانون القرية المطبق وقانون المدينة، لو كانت هذه اللجان موجودة في كل الأحياء، لما كانت هناك مشاكل بهذا الشكل”.

اترك تعليقًا

(التعليقات)

المصدر
الخبر
دلالات
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock