ما قاله المؤرخ الفرنسي بن يامين ستورا حول مصالحة الذاكرات بين الجزائر وفرنسا

انتهيت الآن من قراءة نص تقرير المؤرخ الفرنسي بن يامين ستورا حول ما يطلق عليه بمصالحة الذاكرات بين الجزائر وفرنسا. لذلك اعتذرت من قبل عن كل مشاركة في التعليق عليه أو الحديث عنه في وسائل الإعلام بدون علم وبدون قراءة التقرير.

وقبل أن أقدم هنا ملخصا عنه، أريد أن أقول أن هناك فرق بين التقرير الذي يقدمه الخبير للهيئة العلمية، والتقرير الذي يقدمه لهيئة سياسية. في المثال الأول، لا يخضع المقرِر إلا للضوابط العلمية ليحافظ على مصداقية الموضوع وسمعته بين أقرانه، بينما في المثال الثاني يسترشد المقرِر بالتوصيات التي أخذها من الشخص الذي كلفه بالمهمة التي يعتبرها مهمة علمية، وفي نفس الوقت يحسبها مشاركة منه في إنجاح المشروع المرسوم لاعتبارات مختلفة.

يتضمن تقرير ستورا الذي حوى 157 صفحة منها 57 صفحة مخصصة للتشكرات والملاحق، عرضا لكل الجهود السابقة من أجل المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري على المستوى الرسمي والجمعوي والبحث العلمي.
ثم يدعو إلى تكوين لجنة مشتركة لمواصلة العمل، وفق 27 اقتراحا (وليس 22 كما هو متداول جدا). منها 1 و2 و10 و جزء من 11 له علاقة بالحركى والجنود الفرنسيين، فبالنسبة للحركى فإنه يقترح يوم 25 سبتمبر يوما وطنيا في فرنسا للحركى، كما يقترح السماح لهم ولأبنائهم بزيارة الجزائر.

وبخصوص الجنود الفرنسيين فإنه يقترح على اللجنة المشتركة أن ترسِّم في فرنسا يوما وطنيا لهم دون تحديده.
أما غالبية الاقتراحات الأخرى فإنها تتعلق بفتح الأرشيف بين البلدين، والتعاون بين الباحثين الجزائريين والفرنسيين في مجال البحث التاريخي، وتنظيم ملتقيات دولية حول بعض الشخصيات الفرنسية التي عارضت سياسة الحكومة الفرنسية خلال الثورة الجزائرية، واسترجاع للجزائر بعض المسروقات الفرنسية مثل سيف الأمير عبد القادر وأشياء أخرى.

اعتمد ستورا على حوارات عديدة مع الشخصيات السياسية والعلمية الفرنسية والجزائرية، واستخدم مراجع كثيرة منشورة باللغة الفرنسية.

وقد كان ستورا منسجما مع قناعاته فأعاد في هذا التقرير ما كتبه في كل كتبه ومقالاته، وفي مداخلاته التلفزيونية والاذاعية سواء في فرنسا أو في الجزائر. شخصيا لا أرى أشياء جديدة في هذا التقرير إلا في بعض التفاصيل التطبيقية فقط.

هذا العمل جاء مستعجَلا (بفتح الجيم) بضغط ما حدث في فرنسا خلال تحرير التقرير والتحديات الانتخابية القادمة في فرنسا.

لقد ركز ستورا تماما على فترة 1954-1962 واهمل الفترات الأخرى من التاريخ الاستعماري في الجزائر، واختصر الحديث عن جرائم جيش الاحتلال في القرن التاسع عشر، ولم يخض في تجريد المجتمع الجزائري من أملاكه، وحرمانه من مقوّماته الثقافية خلال 132 سنة.
أنا مقتنع دائما أن تاريخنا تكتبه أقلامنا أولا، ولا تكون كتابتنا في مستوى آمال أبنائنا وطموحات أحفادنا إلا إذا التزمنا دائما بضوابط المنهج العلمي، وارتقينا إلى مستوى المتطلبات المعرفية والطموحات التنموية.

أما الذاكرة، فإنها لم تعد اليوم مسألة تاريخية صرفة ليهتم بها فقط المؤرخون أو السياسيون، وإنما أصبحت مسألة مصيرية متعددة الجوانب تحتاج إلى كل العقول المفكرة والمبدعة لتشكيلها بما يحافظ على روح الماضي ويسدد رهانات الحاضر ويحقق أمل المستقبل.

الكاتب: الأستاذ مولود عويمر

شارِكنا رأيك بتعليق!

(التعليقات)

زر الذهاب إلى الأعلى