الديمقراطية والحرية الأكاديمية أساسية داخل الجامعات

يرى كولِن ماسيلوين أن إتاحة الفرصة لهيئة التدريس والطلاب للإدلاء بآرائهم حول كيفية إدارة وتنظيم المؤسسات التعليمية يقوِّي إدارتها، ويحدّ من حرية تصرف الإداريين بها.

كان كلارك كير رئيس جامعة كاليفورنيا الأسبق في بيركلي هو مَن وضع تعريفًا لا يُنسى لدور المدير الإداري للجامعة، وهو كالتالي: هو الشخص الذي يعمل على تنظيم مرآب السيارات لهيئة التدريس، والعلاقات الجنسية للطلاب، والرياضة للخريجين. وقد انطوت هذه المقولة على عين الحقيقية، ألا وهي أن إدارة الجامعة شَرٌّ، لا بد منه. فلا شك أن الطلاب والأكاديميين يمثلون كيان الجامعة، وروحها، ويقومون بالدور الحقيقي الذي أُنشئت لأجله. أمّا الإداري، كما يوحي تعريف الكلمة، فهو ييسر الأمور فحسب، ولكن في هذه الأيام.. اختلف الأمر، حيث تغيرت النزعة الإدارية في الحرم الجامعي على مستوى العالم ككل، وحُسِم أخيرًا صراع القوى ـ الذي طالما احتدم بين الأكاديميين والإداريين ـ لصالح الإداريين.

رؤساء الجامعات يعملون مثل المديرين التنفيذيين في الشركات

لا تصح هذه المقولة في مكان في العالم أكثر من المملكة المتحدة، حيث حثت رئيسة الوزراء السابقة مارجريت تاتشر منذ 30 عامًا على تنفيذ بعض الإصلاحات، التي أدّت بدورها إلى تمكين مساعدي رؤساء الجامعات من مدّ قبضتهم إلى المسائل التي كان يتحكم فيها مسبقًا الأكاديميون، ومنها، على سبيل المثال.. نوعية المواد التي تُدرس، ونوعية المِنَح التي ينبغي السعي وراء الحصول عليها، والمعايير التي تحكم تعيين هيئة التدريس. وبتحويل نواب رؤساء الجامعات دفّة صنع القرار إلى اللجان التي يسيطر عليها حلفاؤهم المقرَّبون، أصبح الكثير منهم يعملون كما لو كانوا رؤساء تنفيذيين.

هذا النهج الإداري وما صحبه من امتداد وتوسع متزايد في طاقم العمل الإداري يخطو خطى دؤوبة نحو الانتشار على مستوى العالم. ويُعزى ذلك ـ إلى حد كبير ـ إلى أن الجامعات الأمريكية والبريطانية تسيطر على مجالس الجامعات الدولية، كما تسعى سياسات التعليم العالي في كثير من الدول للاقتداء بنماذج الجامعات البريطانية والأمريكية، فعلى سبيل المثال.. اختارت مبادرة الامتياز الألمانية Germany’s Excellence Initiative  عددًا صغيرًا من المؤسسات التعليمية الواعدة، ومَدَّتها بالأموال اللازمة لإقامة إدارات مركزية أكثر قوة.

رؤساء الجامعات يمارسون الدكتاتورية

لا أظن أبدًا أن أيًّا من ذلك يصب في مصلحة الطلاب، أو المدرسين، أو المجتمعات الأكبر من ذلك، التي يُفترض أن تخدمها الجامعات. فأنا مواطن بريطاني، ولكنني أشترك مع البعض في شكوكهم بشأن مجالس الجامعات على مستوى القارات، حيث نشأت غالبية هذه المجالس في دول تتحدث اللغة الإنجليزية، وتتسم بكونها تعكس قوى المؤسسات الموجودة بها. وكثيرًا ما أتعاطف في الاجتماعات التي تُجرى في نطاق أوروبا مع الذهول البادي على وجوه الحاضرين إزاء الاعتداد بالنفس، الذي يتصرف به المتحدثون البريطانيون والأمريكيون في هذه الاجتماعات.

وإنّ ما أخشاه يتمثل في أنه ما لم تتم مراجعة سلوكيات بعض نواب رؤساء الجامعات، التي تنمّ عن دكتاتورية؛ ستُصاب الجامعات البريطانية بالشيء نفسه الذي أصاب بنوك الشوارع الرئيسة التي كانت مؤسسات محترمة يومًا ما، مِن جَرّاء ما فعله أصحاب نظرة الهيكل المؤسسي نفسها. فكما أصبح مديرو البنوك المحلية “في خبر كان”، يمكن للإداريين الشرسين التخلص من الأكاديميين المستقلين صعبي المِراس، متعللين بأسباب إدارية، وبيانات مُفبركة عن الأداء البحثي.

وقد خرجت غالبية صور مقاومة مثل هذا التغيير مِن رَحِم الآداب والإنسانيات، حيث انتقد بعض النقاد ـ مثل الناقد الأدبي ستيفان كوليني ـ ما يعتبرونه تدميرًا لنظام المملكة المتحدة الجامعي، وذلك في دورية “لندن ريفيو أوف بوكس” وغيرها، لكن النظام الجديد يفضل العلماء إلى درجة كبيرة، وقد يكون ذلك السبب وراء سكوت كبار العلماء عن هذه المسألة.

لا يمكن أن يستمر ذلك؛ فقد تم تجميد تمويل الأبحاث في المملكة المتحدة لمدة خمس سنوات، ومن المحتمل أن يتقلص بعد استعراض الحكومة للنفقات في الأسبوع القادم، حتى إن “إطار العمل للامتياز في التدريس Teaching Excellence Framework  المقترح على وشك الدخول في هذه المعركة، حيث إنه مصمَّم اقتداءً بنموذج “إطار العمل للامتياز في الأبحاث Research Excellence Framework، الذي يهدف إلى تقييم الأبحاث الجامعية، والذي سيطر على التعليم العالي البريطاني منذ عام 1986، وتبنّاه كثيرون على مستوى العالم منذ ذلك الحين. وتستمر الضغوط التي تُمارَس على الأكاديميين، بسبب معايير.. غالبًا ما تكون كاذبة.

منح هيئة التدريس والطلاب قدرة التأثير في إدارة الجامعة

رغم ذلك.. هنا في إسكتلندا تُبذل حاليًا جهود ضد التيار، لمَنْح هيئة التدريس والطلاب مزيدًا من القدرة على التأثير على طريقة إدارة الجامعة، حيث اقترحت الحكومة الجديدة مشروع قانون لتنظيم التعليم العالي، من شأنه أنْ يُلزِم بإجراء انتخابات لمَن يرشحون أنفسهم لرئاسة الأجهزة الرئاسية بالجامعة، ويشترط تضمين العاملين واتحادات الطلاب في اللجان الكبرى. وقد استمد مشروع هذا القانون فكرته من تقرير 2012، الذي أصدره فرديناند فون برودزنسكي، مدير ونائب رئيس جامعة روبرت جوردون في أبردين، الذي يضم المعايير اللازمة لضمان تحقيق الحرية الأكاديمية في ظل القانون.

بيد أن باقي مديري الجامعات يحاربون الإصلاحات المحترمة التي يحملها مشروع القانون بكل ما أُوتوا من قوة، أمّا شريكهم في ذلك، وهو “المجلس الأعلى للجامعات الاسكتلندية”، فقد بذل مجهودًا كبيرًا من أجل تكوين انطباع بأن الأكاديميين راضون عن ترتيبات التنظيم والإدارة الحالية، كما زعم أن بعض نصوص مشروع القانون يهدد استقلالية المؤسسات التعليمية، ويمثل خطرًا على مبدأ كونها مؤسسات خيرية، حتى إنه حاز على دعم إدوارد سنودين، كاشف الفساد الأمريكي المعروف، ورئيس جامعة جلاسجو المُنتخَب من الطلاب، حيث كتب “تغريدة” معارضة لمشروع القانون من موسكو، وذلك برغم أن هذا الاقتراح لا يتعدى تناول العملية الإدارية التي منحت سنودين منصبه في جامعة جلاسجو، وإمداد مؤسسات أخرى أكثر حداثة بها.

الجامعات ليست شركات

من المتوقع أن تقوم حكومة الحزب الوطني الإسكتلندي، وحزب العمال المُعارض بدعم تمرير مشروع القانون، بعد تعديله بما يحمي استقلالية المؤسسات. ومن ثم، فالجامعات في هذا الجزء من العالم على الأقل تستعد لأنْ تكون أكثر ديمقراطية بعض الشيء. وإنني لأرجو أن ينتشر هذا الأمر في الأماكن التي تتجاهل فيها الحكومات مفاهيم الديمقراطية والحرية الأكاديمية، وذلك في إطار محاولاتهم المضنية لتحويل الجامعات إلى مشروعات ربحية، أكثر منها جامعات تعليمية. ولا شك أن الإيمان بفكرة المسؤول التنفيذي اخترقت بالفعل كل ركن من أركان المجتمع تقريبًا، لكن الجامعات ليست شركات، فهي ـوفقًا لتعريفهاـ هيئات أكاديمية منظَّمة. وسيعمل ممثلو الطلاب وهيئات التدريس في لجان الجامعة المؤثرة على تذكير الإداريين بهذه الحقيقة، ومحاسبتهم؛ مما سوف يؤدي إلى تقوية تنظيم وإدارة الجامعة على المدى الطويل.

المصدر: مجلة Nature

شارِكنا رأيك بتعليق!

(التعليقات)

المصدر
nature
دلالات
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock