أخر الأخبار

الأستاذ الجزائري الذي غير نظام التعليم العالي في أمريكا

فاروق داي، أستاذ جزائري من مدينة بوفاريك، شغل عدة مناصب مرموقة في أمريكا، كان آخرها نائب رئيس جامعة “جون هوبكينز” العريقة. «ماذا تريدون أن تفعلوا في حياتكم؟ هذا السؤال الذي لا أودّ أن أطرحه على أي شخص مجددا!”.

بهذه العبارة يبدأ الدكتور فاروق داي إحدى محاضراته على منصة “تيد” العالمية، وهو يشرح بحماس مقاربته حول التعليم المدمج وتصميم الحياة، التي يُعدّ أول من شرع في تطبيقها بالجامعات الأمريكية أين تبوأ مناصب مرموقة كان آخرها نائب رئيس جامعة “جون هوبكينز” العريقة.

ابتكر الأستاذ هذا الأسلوب الجديد في التعليم، الذي يقدم مفاتيح النجاح في الحياة العملية ويبرز علاقتها بالجامعة. ولد فاروق سنة 1975، ونشأ بمدينة بوفاريك بولاية البليدة ودرس إلى أن نل شهادة البكالوريا في شعبة علوم الطبيعة والحياة ووُجه إلى المعهد الوطني للتخطيط والإحصاء ببن عكنون.

يقول فاروق في حوار مع جريدة النصر: “إحدى الدروس التي تعلمتها في حياتي والتي أتمنى أن يتعلمها أيضا المقبلون على امتحان البكالوريا، فهذه الشهادة تكون مدعاة توتر، لكن اليوم، بعد 25 سنة من اجتيازها صرت لا أتذكر المعدل أصلا. في الحياة هناك أمور نقلق لأجلها في مرحلة ما، رغم أنها لا تلعب دورا مهما في مستقبلنا، فهل غيّرت درجة تقدير البكالوريا حياتي أنا مثلا؟ هذا لا يعني أني أقول للتلاميذ لا تدرسوا جيدا ولا تطمحوا للأفضل، لكن يجب عليهم تجنب التوتر”.

توجيه الطلبة علم قائم بذاته

اختار الأستاذ فاروق تخصص الإحصاء لأنه قيل له في وقتها إنه جيد في الرياضيات ولأنه رأى أنه فرع فيه الكثير من الأرقام والإحصاء، وهو سبب تافه واستراتيجية خاطئة.

العديد من الطلبة في العالم يجتازون للأسف هذه المرحلة، رغم ذلك التخصص لم يكن مملا وأعجبه وحصل فيه على علامات جيدة، كما يقول للنصر. ويضيف: “في ذلك الوقت لا أحد سألني ما الذي يلهمني قبل اختيار التخصص ولم تكن لدي فروع كثيرة بقائمة الاختيارات، واليوم تعلمت في أمريكا أن توجيه الطلبة في الميدان المهني والتجريبي، هو علم قائم بذاته”.

نائب رئيس جامعة مرموقة

اليوم أصبح فاروق نائب رئيس جامعة جون هوبكينز، بعدما شغل منصب عميد بجامعة ستنافورد الأمريكية، فهل كان يتوقع تحقيق هذا النجاح قبل 20 سنة؟ يجيب: “لو قال لي أحد في ذلك الوقت أني سأبلغ هذه المناصب لما صدقته. في الحقيقة لم أحلم أبدا بهذا الأمر ولم أخطط له، فعندما سافرت إلى أمريكا بعد حصولي على منحة جامعية، أول ما فعلته كان البحث عن عمل موازاة مع الدراسة، إلى درجة أني قمت في بعض المراحل بثلاثة أعمال في الوقت ذاته، فقد نظفت السلالم والمراحيض والغرف ومراقد الطلبة. واشتغلت في المخازن وكعون أمن ومرات كنادل وموظف استقبال، وهي أعمال قمت بها داخل وخارج الجامعة. وقد ساعدتني على توفير مصاريف الدراسة والتخرج بدرجة الدكتوراه في إدارة التعليم العالي من جامعة فلوريدا سنة 2012. وهو موضوع اخترته لأني أحسست أنه بإمكاني المساهمة في هذا المجال”.

العمل أساس النجاح

حسب الأستاذ الجزائري فاروق فان أول شيء يجب القيام به هو العمل وهي نصيحة يوجهها للطلبة، فالعمل حسبه، يجعلنا نتعرف على أشخاص آخرين ونحقق منتوجا ونتعلم مهنة ونكتسب مهارات. ويكسبنا وعيا بأنفسنا وبالعالم المحيط.

وهذا ما حصل معه، فبالإضافة إلى الوظائف الأخرى التي قام بها، عمل كمستشار مهني لتحضير الطلبة للحياة العملية، حيث رأى المسؤولون أنه قام بمهامه بشكل جيد، فأعطيت له مسؤوليات أكثر. وأصبح في 2010 مديرا لمركز يختص في التوجيه المهني بجامعة كارنيجي مالون بولاية بنسلفانيا أين كان يحضر مشاريع البحث بإيجاد الأساس المهني الذي يجعل الطالب ينجح.

وهو عمل أثار اهتمام جامعات أخرى فمنحت له جامعة ستانفورد منصب عميد سنة 2013، وهذه كانت ترقية سريعة جدا. وهذا سر نجاح الجامعات الأمريكية. ويوضح فاروق: “طُلِب مني تغيير كامل نظام التوجيه خلال 5 سنوات، ما جعله الأحسن في الجامعات الأمريكية ودفع بجامعة جون هوبكينز بولاية ماريلاند، إلى طلب خدماتي سنة 2018، لأصبح نائب رئيس الجامعة المكلف بالتعليم المدمج وتصميم الحياة “لايف ديزاين”.

مشروع تصميم الحياة

وهو مشروع جديد، حسب فاروق، يجعل الطلبة قادرين على تصميم حياتهم، الذي يصرح: نحن نؤمن أن تدريس الطالب لا يكون في القسم فقط، بل هناك فرصة في ما هو موجود خارجه، للتعلم وإنضاج العقل وتطوير المهارات وأساليب التعامل مع المجتمع. بالمقابل هناك طلبة يحضرون الدروس في الأقسام فقط، لكن الحياة مستمرة خارجها. لذلك أدخلنا في المناهج، العمل والتربصات وعمليات التطوع وحتى النقاشات التي تحدث مع الطلبة وغيرهم بالمقهى والمسكن والمطعم والنوادي. فكلها فرص لتعلم القيادة والتواصل والتعامل مع الآخرين وحتى لإطلاق المشاريع.

عندما يُقبَل الطالب في كلية ما، نقدم له برنامج الدروس وبرنامجا خارج الدروس يجب أن يندمج فيه أيضا، كالانخراط في جمعية طلابية والتطوع والبحث عن عمل داخل أو خارج الجامعة حتى لو لم يكن في حاجة لأموال. كما نلزمه بالقيام بتربص واحد على الأقل قبل نهاية سنوات الدراسة لتطبيق ما تعلمه، مع البحث العلمي والاحتكاك بجامعات أجنبية ضمن بعثات للخارج.

يمكن أن يدعو طالب طب، أطباء درسوا في الجامعة ذاتها، إلى الحي الجامعي لينقل خبراته للطلبة، وهو استغلال لوقت الفراغ يجعله يدرس دائما، لأن مدة الدروس صغيرة وتتراوح بأمريكا بين 12 و 15 ساعة في الأسبوع.

كل هذه الأمور تعود بالنفع على المجتمع واقتصاد البلاد وأيضا على الجامعة، لأن الطلاب سيكونون مندمجين بها أكثر، ويصبحون أوفياء لها بعد التخرج، فلا يترددون في إلقاء محاضرات مجانية في مجال تخصصهم بها، وقد يوفرون فرص عمل للمتخرجين ويقومون بأشياء أخرى.

بدأت في الترويج لهذا الأسلوب التعليمي الجديد بعدة بلدان، ومنها روسيا التي عدت منها مؤخرا.

الترويج لنظام تعليم جديد

في الواقع هذا المفهوم كان موجودا لكنه غير مطبق والأبحاث حوله قليلة جدا، يقول الأستاذ فاروق: لكنني طبقته وكنت أول من يقوم بذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، أما بالنسبة لزيارتي لروسيا، فقد وجدت أن هذا النظام قابل للتطبيق بها وكذا بالفلبين أين استحدثت مراكز توجيه مهني خلال 4 سنوات، إضافة لزيارتي كوريا والنمسا وألمانيا وفرنسا وانجلترا والصين وسنغافورة، لكن أول شرط لتحقيق هذا الأسلوب هو أن يؤمن الطالب بأن التجربة الثقافية الجامعية تتعدى تلقي الدروس بالأقسام، عليه أن يتقبل أنه طالب لـ 24 على 24 ساعة، وليس لـ 3 ساعات في اليوم، فتغيير النظام الجامعي يبدأ من الطالب وليس من الجامعة أو الوزارة اللتين ستضطران فيما بعد إلى التكيف لأجله.

المرشد والتجربة الغامرة يسمحان لنا بالتحليق! وهو قابل للتطبيق في الجامعات الجزائرية إذا تم إدراج الخبرات خارج الأقسام من تربصات وعمليات تطوع و غيرها، ببرامج التعليم، عدا ذلك فإن الإمكانيات متوفرة، لكن كما قلت لك أهم عامل هو الطالب نفسه. تعتمد الكثير من الجامعات الأمريكية على التبرعات. وهذه التبرعات تعطي موارد أكبر وتساعد الطلبة في ميادين البحث وفي التفاعل أكثر مع المجتمع وكذلك على قبول أكبر عدد منهم.

معظم الجامعات الأمريكية تعتمد على التبرعات وليس على ما يدفعه الطلبة، كما أن أغلب المانحين هم طلبة قدامى، لذلك فإن خلق تجربة التعليم المدمج للطالب تجعله مرتبطا بالجامعة لأنه يعتبرها جماعة، وهذا هو سر نجاح الجامعات الأمريكية. كثيرا ما نسأل أبناءنا «ماذا تريدون أن تصبحوا عندما تكبرون؟” وهي عبارة تعترض عليها، لماذا؟

الأصح هو أن نسأل الطفل «ما هو مصدر الإلهام لديك؟»، فلا يجب أن يبحث الفرد عن هدف له في الحياة، لأنه سيجد نفسه أمام تنبؤات حول المستقبل بأن يصبح مثلا طبيبا أو مهندسا لأنه رآهما فأراد أن يكون مثلهما، حيث وجدنا من خلال الأبحاث التي قمنا بها، أن هذا التنبؤ هو في الواقع تمرين غير مفيد.

بالمقابل، الإلهام يأتي من تجارب حقيقة، عند قراءة كتاب أو خوض تجربة عمل أو الدراسة، ثم بعد الإلهام يجب أن نتحرك للقيام بخطوة جريئة، وإلا فلن نفعل أي شيء. وهنا أوجه نصيحة للآباء: لا تسألوا أبناءكم ما الذي تريدون القيام به، بل اسألوهم ما مصدر إلهامكم.

توجد أيضا مشكلة ضغط الآباء على الأبناء في اختيار التخصصات وهذه مشكلة لا تقتصر على الجزائر بل نجدها في العالم كله، وبالأخص في دول آسيا. إفريقيا مستقبل العالم وعلى الجزائر أن تتأهب لذلك.

نعتمد في أسلوب التعليم العالي على فكرة «المرشد»، لكن العديد من الطلبة لا يجدون هؤلاء المرشدين وقد تتبخر أحلامهم بسبب سوء أو غياب التوجيه. هناك أمران يمكنهما أن يغيرا حياة المرء، وهما المرشد والتجربة الغامرة.

هذه الأخيرة تجعلنا نكتسب علاقات أكثر ونعيش تجارب مختلفة عند السفر أو الدراسة أول العمل أو القيام بعملية تطوع مثلا. ومنها تأتينا الفرص. أما المرشد الذي يعرف ميدان إلهامك، فهو شخص يوجهك وعلى الجامعة أن تلعب دورا للوصول إليه ليكون متاحا للجميع مهما كانت مستوياتهم الاجتماعية. أتخيل الإلهام والتجربة الغامرة كجناحين يجعلان الإنسان يُحلّق.

شبكة العلاقات

المحسوبية أو «المعريفة» كما نسميها في المجتمع الجزائري، يطلق عليها اسم آخر في أمريكا، وهو شبكة العلاقات «نيتووركينغ»، لكن لكل بلد ثقافة واقتصاد ووضعية معينة.

لقد تحدثت إلى الكثير من الأشخاص الناجحين في العالم، و قالوا لي إنهم نجحوا بالصدفة، لكن هذا ما كان يبدو لهم، فعندما تقصيّت وجدت أن هؤلاء قاموا بتجربة غامرة وكان لهم مرشد.

وهنا نعود لفكرة التجربة الغامرة التي تأتي بالخبرة، وهذه الأخيرة يمكننا أن نحصل عليها بأن يكون الطالب طالبا لـ 24 على 24 ساعة مثلما أسلفت سابقا. يكتسب الخبرات ويحصل على فرص توظيف من خلال التربصات وعلاقات كثيرة تفتح له الأبواب، ما قد يجعله قادرا حتى على تأسيس شركة ناشئة عند التخرج.

يجب البحث عن مصدر إلهام وليس عن هدف. كل التقارير تبين أن أفريقيا ستكون الاتجاه الجديد للصناعة في العالم. هي المستقبل ويجب أن تكون الجزائر جاهزة لهذا الأمر. وهو ما جعلني أطلق مع الدكتور مراد بوعاش (مسؤول جزائري بشركة ياهو يقيم حاليا بأمريكا) مشروع «ريدي» لتحضير الطلبة والشباب بالجزائر لمهارات العمل.

يرتكز هذا البرنامج على تعليم مهارات التواصل والبرمجة والاتصال واللغات وكذا التعامل مع ثقافات مختلفة والقيادة، حيث سيبدأ في ديسمبر من جامعات قسنطينة، سكيكدة وبسكرة. أنا جد متحمس له. ويدعو الأستاذ فاروق الطلاب إلى: كن طالبا لـ 24 على 24 ساعة، قم بشيء ينفع المجتمع وبتجربة غامرة، ابحث عن مرشد، سواء كان جارا أو أستاذا أو غيره ليوجّهك، وأخيرا لا تبحث عن هدف بل عن مصدر الإلهام وخذ خطوة جريئة.

المصدر : جريدة النصر

شارِكنا رأيك بتعليق!

(التعليقات)

المصدر
النصر
زر الذهاب إلى الأعلى